بعد عشرين عامًا… هكذا نغادر، وكأن الزمن يمكن طيّه داخل صندوق، وكأن الذكريات أشياء قابلة للنقل.
عشرون عامًا من الأصوات، والوجوه، والخطوات التي حفظتها الأرصفة عنا.
نرحل… لكن شيئًا فينا يبقى واقفًا عند الباب الأخير.
ها نحن نحمل حقائبنا، لا لننتقل فقط، بل لنقتلع جذورًا امتدت في القلب أكثر مما امتدت في الأرض.
يقول Ernest Hemingway:
“إذا كنت محظوظًا بما يكفي لأن تعيش في مدينة أحببتها وأنت شاب، فإنها تبقى معك أينما ذهبت.”
وأنا كنت محظوظة بكِ… لذلك أعلم أنك لن تغادري داخلي.
إلى بحركِ…
كم علّمتني الأمواج أن أبتعد قليلًا ثم أعود.
كم بلّل ماؤك قدميّ وكأنك تضعين خاتم انتماءٍ لا يُنزع.
إلى جبالكِ…
كم صعدناها في الشتاء، والبرد يعضّ أطرافنا، لكن الضحكات كانت أشد دفئًا من أي معطف.
وهناك، بين الثلج وصوت الريح، كنت أنا وأخي نكتب طفولتنا على بياض الأيام.
إلى محطّاتي الأولى…
من الروضة حتى الجامعة.
إلى الحديقة التي شهدت بدايات وعينا، حيث كنا ننتظر حافلة المدرسة وننسج أحلامًا لم نكن نعلم أنها كانت تكبر معنا بصمت.
أترك فيكِ نسخةً مني لن تتكرر…
طفلة كانت تركض في فناء المنزل، تظن أن العالم ينتهي عند باب الحي، ولم تكن تعلم أن الأبواب تُفتح يومًا، وأن القلوب هي التي تهاجر قبل الأقدام.
هل سيضحك أطفالٌ آخرون في فناء بيتنا؟
هل ستشهد الجدران حكاياتٍ جديدة؟
ربما… فالبيوت خُلقت لتحتضن الحياة، لا لتحتفظ باسمٍ واحد إلى الأبد.
إلى صديقاتي…
أنتنّ المسافة التي لا تُقاس بالكيلومترات.
في كل مدينةٍ سأبحث عن ضحكة تشبهكن، وعن ظلٍّ يشبه وقوفكن إلى جواري.
لن يوقفني البعد عن مشاركة أفراحكن، ولا عن مدّ يدي في أحزانكن.
لأن بعض العلاقات لا تعيش في الأمكنة، بل في القلب مباشرة.
إلى رفيقة دربي، شهد…
لو كان للمدينة قلب، لكنتِ أنتِ نبضه.
أستطيع أن أودّع الشوارع، وأن أتنازل عن النوافذ، لكنني لا أعرف كيف أختصر وجودك في كلمة وداع.
كنتِ دائمًا السقف حين يمطر عليّ الخوف، واليد التي تعيدني إلى نفسي إن تعثرت.
بيننا أشياء لا تفهمها المسافات؛ ضحكات خبأناها في زوايا الأيام، وذكريات احتمينا بها من العالم.
إن تغيّرت المدن، فلا تتغيري أنتِ… وسأبقى كما تعرفينني، حتى لو حملتني الطرق بعيدًا.
إلى مدينتي الأولى…
أخشى أن أعود يومًا فلا أجد ظلي على أرصفتك،
لكنني أعلم أن الأثر الحقيقي لا يُمحى.
كنتِ شاهدة على أول حلمٍ صدقته، وأول انكسارٍ تعلّمت منه، وأول مرة أدركت أنني أكبر مما أبدو.
وإلى مدينتنا الجديدة…
لا آتيكِ فارغة، بل محمّلة بعشرين عامًا من النضج.
أرجو أن تتسعي لقلوبنا، وأن تمنحينا بدايةً لا تُشبه الفقد، بل تُشبه الرجاء.
ها نحن نقف على عتبة فصلٍ جديد، نقول:
بسم البدايات… نستعين بك يا الله، ونتوكل عليك.
نغادر مكانًا…
لكننا لا نغادر أنفسنا.
فالمدن قد تتبدل،
أما النسخ التي تركناها خلفنا،
فتبقى شاهدة أننا عشنا… حقًا.
2026

