حين تُوضع الطيور في أسراب لا تشبهها
يقولون: الطيور على أشكالها تقع. لكن كم منّا أجبر على بيئة لا تشبهه — لا في الفكرة، ولا في طريقة النظر إلى الحياة، ولا في معنى الكرامة، ولا في مستوى الوعي، ولا في طريقة الحوار؟
كم من طائر وُضع في سِرب لا يشبهه، فقيِّد جناحه باسم الاحترام، وخُفِّض صوته باسم القرابة والصلة، وأُقنع بأن الاختلاف تمرّد؟
نتحدث عن تقاليد ليست مكتوبةً في كتاب ولا سنّة، تحولت بمرور الزمن إلى قيود، ثم إلى إلزام أعمى لا يُناقَش ولا يُراجَع.
أرواح قبلت حياة لا تشبهها
كم من إنسان درس ما لا يحب؟ كم من روح قبلت حياةً لا تشبهها؟ كم من حلم دُفن خوفًا من اتهام العقوق؟
حتى صار الصراع داخليًا خالصًا: هل أنت صابر أم خائف؟ هل أنت ثابت على مبدأ، أم تذوب حتى لا تُزعج أحدًا؟
وهنا تذبل الأحلام، وتموت المودة ببطء، وتخيّم الخيبة. ينتهي الشوق، وتتحول الكلمات إلى واجب، والجلسات إلى صمت، والقرب إلى حضور بلا روح. لا يرحل أحد — لكن الجميع غائب.
الأيام تتشابه، والضحكة تصبح مصطنعة، والروح تنسحب بهدوء، حتى يصير الاعتياد على ذلك الواقع هو الحال الوحيد المعروف.
حياة تحمل اسمك لكنها لم تكن يومًا اختيارك
تمضي السنوات، فتكتشف أن حياتك تحمل اسمك، لكنها لم تكن يومًا اختيارك. كل شيء فيها مُرتّب لك — المسار، والمحطات، وحتى طريقة الفرح والأسى — وأنت لم تُسأل.
هذا هو الجرح الأعمق: ليس الفقر، ولا الإخفاق، بل أن تنظر إلى حياتك فلا ترى نفسك فيها.
صبر من يعرف أن الحال لا يدوم
ومع ذلك، حين تُغلَق الأبواب، يأتي دور الصبر — ليس صبر العجز، بل صبر من يعرف أن الحال لا يدوم.
وهنا يأتي الاحتساب: أن تحتسب وجعك، وصمتك، وصبرك الذي لا يراه أحد.
الصبر لا يعني الرضا بالذل، ولا يعني إلغاء نفسك. بل يعني أن تُدير المعركة بحكمة، وتبني قوّتك بصمت. حتى لو لم يكن أمامك إلا مثقب إبرة من أمل — تمسّك به.
ثقب الإبرة الذي يصبح بابًا
قد لا يتغيّر الواقع اليوم، لكن يمكنك أن تتغيّر أنت — من الداخل. أن تتقوّى، أن تتعلّم، أن تصنع خيارًا لم يكن موجودًا. ويومًا ما يتّسع ثقب الإبرة، ويصبح بابًا.
الفرق بين من ذبل ومن نجا: أن الأول اعتاد القيد، والثاني تمسّك بخيط الأمل — حتى فتح الله له منفذًا.
لكل من يعيش هذا بصمت — أنت لستَ وحدك، وما تشعر به ليس وهمًا. وخيطك لم ينقطع بعد.
د. عبد السلام محمد الحُبابي


كلمات توزن بالذهب ماشاءالله🤍