ما أبشع أن يشعر المرء بالخذلان! إنه شعور قاسٍ ومخزٍ، يكاد يخنق القلب قبل الدموع. ذلك اليوم… لن أنساه أبدًا.
عندما فوجئت بالرسالة، وكأن أحدًا صفعني كفًّا على وجهي، دارت بي الأرض للحظة، وكأن عقلي يرفض استيعاب ما قرأته. كيف تجرأ وكتب تلك العبارات؟ كيف استطاع بسهولة أن يبدد كل شيء؟ تجمدت أناملي فوق الشاشة، بين غضبٍ وحيرةٍ وانكسار.
لم يمضِ سوى شهر على تلك الليلة، لكنها ما زالت تحرق ذاكرتي. لم أنسَ كيف مررت بها، ولم أتوقع أن ينمو بداخلي شخص جديد، أكثر حذرًا وأشد ألمًا. كنت أكثر انعزالًا وحزنًا، أتساءل في كل لحظة: كيف سأتمكن من التأقلم مع هذا الوضع؟ كيف يمكنني النظر إلى وجهه بعد كل هذا؟ شعرت كأن شيئًا انكسر داخلي، ولن يعود كما كان.
“الخذلان يُعلّم الإنسان أن لا يُفرط في الثقة أكثر من اللازم.” — نجيب محفوظ.
والآن فقط، أدركتُ معنى هذه الكلمات بعمق. لماذا أنا؟ أندم على تلك الأيام التي كنت فيها السند والداعم لذلك الشخص، وقفت معه في أفراحه وأتراحه، فهل كان ذلك بلا معنى؟ هل كان بلا قيمة؟ لكن رغم مرارة الخذلان، أحمد الله أنه كشف لي حقيقته، وأراني قبح شخصيته. آهٍ، كم كنت واثقة! وكم كنت ساذجة في علاقاتي!
لكن، عندها فقط أدركتُ أن لا أحد يمكنه أن يحلّ مكان العائلة. عندما كنت في قمة ألمي، وجدتهم حولي، يواسونني، يهتمون بي، يشعرون بوجعي دون أن أنطق. رأيت أخي الكبير يقترب مني، كانت ملامحه تحمل بعض القهر، وكأنه يشعر بالألم من أجلي. جلس بجانبي، نظر إلي بعينين مليئتين بالغضب والحب معًا، ثم قال بصوت حازم: “لن أتركك،وسأعوضك عن كل شيء.” ثم مسح دمعتي، واحتضنني بقوة، وكأنه يقول لي دون كلمات: ليتني أستطيع إصلاح ما فيقلبك.
ولم أنسَ أبي… التفت إليّ بقلق، كانت نظراته تحمل ألف سؤال قبل أن يقول: “ما الأمر؟ وجهك يدل على أن هناكخطبًا.” لم أتمالك نفسي، انفجرت بالبكاء، وأنا أغرق في قهري، فمدّ لي قلبه قبل يديه، غمرني بكلماته الدافئة والمطمئنة: “أنا معك، وسأكون بجانبك دائمًا.” في تلك اللحظة، شعرت أنني ما زلت أملك شيئًا ثمينًا… شيئًا لم يستطع الخذلان انتزاعه مني.
حاولت أن أسامح… لكن الأيام تمر، ويزداد كرهي لذلك الموقف، ويشتد وجعي منه. لا أعتقد أنني سأتشافى منه قريبًا، لكنني بالتأكيد سأكون أكثر حذرًا. لن أسمح لأحدٍ أن يخدعني بسهولة مجددًا، ولن أضع ثقتي في أحد بسرعة.
قد يسقطني الخذلان، لكنه لن يسلبني إيماني بأن الخير لا يزال موجودًا في مكانٍ ما

