وأثناء الحديث، بدأ والدي يروي لنا قصة والده – جدي، شفاه الله – فتعلقت بها منذ اللحظة الأولى، وأحببت أن أكتبها لتبقى ذكرى تُروى، ولعلها تصل إلى من يحتاج أن يؤمن بأن المعروف لا يضيع.
يقول والدي:
في عام 1977، وكان جدي في السابعة عشرة من عمره، قرر أن يبحث عن عمل. لم تكن الحياة آنذاك كما هي اليوم، ولم تكن فرص العمل كثيرة؛ فإما رعي الأغنام، أو الأعمال اليدوية الشاقة، لذلك عزم على الالتحاق بالعسكرية، باحثًا عن مستقبلٍ أفضل له ولأسرته.
كان جدي قد نشأ في قرية نائية بين جبال رجال ألمع، ولم يغادرها إلا نادرًا، ولم يكن يعرف عن المدن إلا القليل. قصد أحد جيرانه واستدان منه مئة ريال، وقال له: “إذا توظفت بإذن الله سأعيدها لك.” فابتسم الرجل وقال: “اذهب، والله يكتب لك الخير ويوجه خطاك.”
خرج جدي من قريته وهو يظن أن تبوك ليست بعيدة عن مكة أو الطائف، ولم يكن يدرك أن بينهما مئات الكيلومترات، ولا يعلم شيئًا عن المدن التي سيمر بها.
استوقف سيارة نقل متجهة إلى الطائف، وكانت مكتظة بالركاب، بل وحتى بالأغنام. كانت الطرق آنذاك وعرة، والسفر طويلًا ومتعبًا، لكنه كان يحمل حلمًا أكبر من كل ذلك.
وحين وصل إلى الطائف، سأل أحد المسافرين:
“كيف أصل إلى تبوك؟”
فأجابه:
“اذهب إلى جدة، ومن هناك ستجد من يتجه إلى تبوك.”
كانت تلك أول مرة يسمع فيها بمدينة جدة، لكنه قال في نفسه: “توكلنا على الله.”
وصل إلى جدة بما تبقى معه من المال، ودخل إلى مكان كان المسافرون يجتمعون فيه ليستريحوا قبل مواصلة رحلاتهم. استأجر كرسيًا بثلاثة ريالات لينام عليه، لكنه لم يستطع النوم من شدة الفضول. لفت انتباهه جهاز يبيع مشروبات غازية، وكانت تلك أول مرة في حياته يتذوق فيها الببسي، فأخذ يشربه مستمتعًا بطعمه الجديد، بينما يشاهد الفنانة سميرة توفيق تغني على شاشة تلفاز قديم ذي بابين، في مشهد لم يعتده ابن القرية البسيطة.
وبينما الجميع قد غلبهم النوم، بقي هو مستيقظًا، يتأمل الناس من حوله، ويشاهد ذلك العالم الجديد الذي لم يكن يعرفه من قبل.
وفي صباح اليوم التالي، ارتفع صوت أحد السائقين:
“يلا… تبوك… تبوك!”
ذهب جدي ليسأل عن أجرة الرحلة، فإذا بالسائق يخبره أن الأجرة مئة وخمسون ريالًا.
حينها لم يكن يملك سوى نحو خمسة وعشرين ريالًا.
ضاق صدره، وأكل الهم قلبه، وأخذ يحدث نفسه: كيف سأخبر السائق أنني لا أملك المبلغ؟ هل سينزلني من السيارة؟ وهل تنتهي رحلتي هنا قبل أن تبدأ؟
جلس صامتًا، وما هي إلا لحظات حتى التفت إلى شاب يجلس بجواره، يبدو أنه في مثل عمره. سأله الشاب:
“من أين أنت؟ وما قبيلتك؟”
فلما عرف أنه من قرية مجاورة لقرية جدي، وأن بين القريتين معرفة قديمة، شعر بشيء من الطمأنينة، وحكى له قصته، وأخبره أنه لا يملك المال الكافي للوصول إلى تبوك.
ابتسم الشاب، ثم أخرج المال وقال له بكل بساطة:
“لا تشيل هم… خذ هذه المئة والخمسين ريالًا، وإذا صرت عسكريًا ردها لي.”
يقول والدي إن تلك الكلمات كانت كأنها بردٌ وسلام على قلب جدي. في لحظة واحدة تبدل خوفه إلى طمأنينة، وأيقن أن الله إذا أراد لعبده خيرًا، هيأ له من عباده من يكون سببًا في تفريج كربته.
وصلا إلى تبوك، وافترق كل واحد منهما في طريقه. ذهب جدي إلى أحد أقاربه ليستريح، وفي صباح اليوم التالي تقدم للعسكرية، وكتب الله له القبول، وبدأ رحلة جديدة من حياته.
مرت الأيام، وأصبح جدي جنديًا يخدم وطنه، ثم شارك لاحقًا في أحداث أزمة الحرم عام 1979، وهناك جمع الله بينه وبين ذلك الشاب مرة أخرى، لتبدأ بينهما صداقة جميلة امتدت سنوات طويلة.
ومرت الأعوام، وعاد كل واحد منهما إلى قريته، وكبر الاثنان، ورأى كل منهما أبناءه ثم أحفاده، لكن جدي لم ينسَ ذلك الموقف أبدًا. ظل يذكره بكل خير، حتى إنه أقام لذلك الرجل وليمة كبيرة تعبيرًا عن امتنانه، لأنه كان يؤمن أن الجميل لا يُنسى مهما طال الزمن.
كلما سمعت هذه القصة، أيقنت أن الله يدبر لعباده من الأسباب ما لا يخطر لهم على بال، وأن الخير الذي نصنعه اليوم قد يبقى أثره عشرات السنين.
ولعل أجمل ما تعلمته من هذه القصة أن الخير لا يضيع، وإن طال به الزمن. فقد يكون موقف صغير، أو كلمة طيبة، أو يد امتدت بالمساعدة في وقت الشدة، سببًا في تغيير حياة إنسان كاملة، كما حدث مع جدي.
لذلك، لا تتردد يومًا في فعل الخير، مهما بدا بسيطًا في نظرك. ربما تنسى أنت ذلك المعروف، لكنه يبقى حيًا في قلب من أحسنت إليه، وقد يجعله الله سببًا لفتح باب رزق، أو تفريج هم، أو تغيير مسار حياة بأكملها.
وافعل الخير لوجه الله، ولا تنتظر شكرًا ولا مقابلًا، فالله لا يضيع أجر المحسنين، وقد يأتيك الجميل من حيث لا تحتسب، وفي الوقت الذي تكون فيه أحوج ما تكون إليه.
أسأل الله أن يشفي جدي شفاءً لا يغادر سقمًا، وأن يجزي ذلك الرجل خير الجزاء على مروءته وشهامته، وأن يرزقنا جميعًا قلوبًا تعرف المعروف، وأيديًا لا تتأخر عن مساعدة المحتاج، وأن يجعلنا مفاتيح للخير، مغاليق للشر.
فبعض القصص لا تُكتب لأنها جميلة فحسب، بل لأنها تستحق أن تُحكى للأجيال القادمة.





المقال جمييل والقصه اجمل🤎