الحب والكراهية… هل هما ضدّان لا يجتمعان، أم أنهما يولدان من الشعور نفسه؟ لماذا نحب أحيانًا من لا يستحق، ونظل نبحث عن دفء نُدرك داخليًا أنه زائف؟ هذه الأسئلة لا تتوقف عن ملاحقتي كلما رجعت بذاكرتي للوراء، إلى أيامٍ منحتُ فيها قلبي بصدق، وانتهت بألم غير مفهوم.
لطالما اعتقدت أن الحب شعورٌ نقي، يمنحنا القوة. لكني اليوم أؤمن أنه أيضًا يعرّينا، يكشف هشاشتنا أمام من نثق بهم. وأسوأ ما في الحب؟ حين لا يُقابل بالوفاء، بل بالصمت، بالخذلان، بالابتعاد دون حتى كلمة وداع.
في مرحلة من حياتي، تعرفت على فتاة اسمها “زهرة”. كانت صديقتي، الأقرب، الألطف، والأحن. كانت علاقتنا مثل نهرٍ صافي، نضحك، نشارك تفاصيل صغيرة، ونحلم سويًا بأيام قادمة لا نفترق فيها. استمرت علاقتنا لثلاث سنوات، وكان قلبي يظن أنها ستبقى للأبد.
لكن ذات يوم، انتقلتُ إلى قريتنا مؤقتًا، وحين عدت، وجدت زهرة قد تغيّرت. لم تعد تلك الفتاة التي أعرفها. حديثها صار مقتضبًا، تصرفاتها صامتة، وروحها… بعيدة. كنت أبحث عن تفسير، أستجدي سببًا، لكن لم أجد شيئًا سوى جملة واحدة قالتها:
“لننهي هذه العلاقة.”
قالتها بهدوء يشبه السكوت، وكأن أعوامًا من الذكريات لا تعني شيئًا. لم أسمع مبررًا، لم أعرف الخطأ، فقط، انسحبت من عالمي… وخرجت.
لحظتها، شعرتُ أني لا أفهم البشر. كيف يستطيع الإنسان أن يتخلّى عن من أحبّه؟ هل كنا نعيش في وهم؟ هل كانت كل تلك اللحظات الطيبة مجرّد صدفة لا تهمّ أحدًا سواي؟
كانت تلك أول خيبة، لكنها لم تكن الأخيرة.
الخذلان يترك شيئًا فيك. ليس فقط ألمًا، بل مضادًا. نعم، شيء يشبه الحماية…
في البداية، لم أكن أفهمه. فقط أصبحت أتراجع عن التعلّق، أهرب قبل أن أُؤذى، أبتعد قبل أن يبتعد الآخرون.
صارت علاقتي مع الناس متوترة دون قصد، وكأني أقول داخليًا:
“لن أُلدغ مرتين.”
ذلك المضاد لم يكن قسوة… بل كان نجاة. نجوت من كسرٍ جديد، لكني في المقابل، خسرت جزءًا من بساطتي. لم أعد أحب كما كنت، ولا أثق كما وثقت.
ومع ذلك، ورغم كل هذا، لا يزال هناك صوت صغير بداخلي يتمنى… أن لا تتكرر القصة.
مؤخرًا، دخلت صديقة جديدة حياتي، وفوجئت بنمطٍ مألوف: القرب، ثم التغيّر، ثم صمت بارد يملأ الفراغ. حينها فقط، شعرت أنني على وشك أن أعيش نفس المشهد، ولكن الفرق هذه المرة أنني أكثر وعيًا.
الآن، حين أشعر بالتغيّر، لا أركض خلف السبب. أهدأ، أراقب، وأختار الانسحاب بكرامتي.
ربما لم أتعافَ تمامًا، لكني على الأقل لم أعد ضحية.
وفي النهاية، لا أظن أن الحب والكراهية ضدّان… أحيانًا، الكراهية تولد من الحب، حين لا يُصان، وحين يُقابل بالخذلان.
وربما، كل ما نشعر به بعد خسارة من أحببنا، ليس كرهًا حقيقيًا، بل وجعًا يتنكر في ثوب الكراهية… لأنه لا يجد من يحتويه

